Business is booming.

اليوم الدولي للمهاجرين… عوائق وتغييرات جذرية لوقف التدفق

0

منذ قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1990 تخصيص 18 ديسمبر/ كانون الأول من كلّ عام، على أنّه "اليوم الدولي للمهاجرين"، تغير الكثير في أوضاع هؤلاء، فارتفع عددهم بشكل كبير. وخلال العقود الثلاثة الماضية سعى المجتمع الدولي للتعامل مع مسببات هجرة ولجوء عشرات الملايين، فيما القوانين الوطنية، خصوصاً في دول الشمال التي يلجأ إليها كثيرون، اتجهت خلال السنوات العشر الماضية إلى تشديد سياساتها، وانتهاج برامج تهدف إلى تخفيض عدد الواصلين، لا سيما في أوروبا على وجه التحديد.
لسنوات بقيت قضايا المهاجرين/ اللاجئين مثار سجال محلي وعالمي، من محاولة تحويل القارة الأوروبية إلى قلعة يحظر دخولها إلى رغبات الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب في بناء سياج حدودي يمنع الهجرة واللجوء من جنوب القارة الأميركية ووسطها. هذا إلى جانب سعي متواصل لمواطني جنوب وشرق المتوسط للوصول إلى دول بعيدة بوسائل إبحار قاتلة، كما حدث مع محاولي الهجرة من لبنان ومصر وتونس، وغيرها. هذا بالإضافة إلى مآسي الهجرة واللجوء في جنوب وجنوب شرق آسيا، وغرق وفقدان أثر مئات ممن حاولوا الوصول إلى البر الأسترالي، وغيرهم ممن هجّروا تحت وقع عمليات إبادة واضطهاد.
وفي بعض الدول الأوروبية تثير قصة الهجرة واللجوء الكثير من التشنجات والتوترات السياسية والاجتماعية، وتنسج أحزاب التعصب الشعبوي حول المهاجرين قضايا تهدف إلى جذب الناخبين، خصوصاً مع الخطاب المتجدد حول رفض مواطنة هؤلاء باعتبار "المتحدرين من غير خلفية غربية" يستحيل دمجهم، واعتبارهم "تهديداً للهوية القومية وثقافة الأغلبية" مع استغلال واضح في السياسة والإعلام لممارسات قلة من المهاجرين لأعمال غير قانونية وانتساب لعصابات تخالف القوانين والأعراف المحلية، فيجري التعميم على الجميع بسبب تلك القلة.

ضجيج أوروبي
أوروبا، وفقاً للجدال المثار منذ عام 2015، وعلى خلفية تقصير سياسات الهجرة المشتركة، تُعتبر الأكثر ضجيجاً حول المهاجرين، حتى هؤلاء المتحدرين من صلب أجيال "العمال الضيوف"، وهم من استقبلوا لإعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، وكذلك حول لاجئي العقدين الأخيرين، الساعين للحماية والنجاة وتأسيس مستقبل أفضل لأسرهم، هرباً من الموت والدمار والفقر في دول الجنوب.

أرقام لاجئي العالم، أي من هجّروا قسراً، تقترب من 80 مليوناً. وبالرغم من أنّ نصيب أوروبا ليس أكثر من نحو 15 في المائة، بناء على أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإنّ القارة هي الأكثر سجالاً وتبنياً لقوانين صارمة ومنفرة للاجئين. وأدى التدفق الكبير عام 2015 إلى عودة أوروبا، خصوصاً دول المسار والمستقرّ، للعمل بالحدود الوطنية، لفحص الداخلين إليها، كما جرى في دول إسكندينافيا منذ عام 2016. واتخذت دول بعينها إجراءات معلنة، كما في الدنمارك، لتصعيب الأمور على اللاجئين، ومن بينها قوانين لمّ الشمل والإقامة، المتحولة إلى مؤقتة لكثيرين في ألمانيا ودول إسكندينافية، مع تبنّي السقف الأعلى للمساعدات المالية، الذي انتقده اليسار واعتبره "تفقيراً" لأكثر السكان ضعفاً. واشتهرت سياسات يمين الوسط الدنماركية السابقة بجملة وزيرة هجرتها، إنغا ستويبرغ، عن "جعل الدنمارك أقل جذباً" من خلال تبني تشديدات صارمة تسمح بمصادرة مقتنيات اللاجئ للإنفاق عليه، وهو القانون الذي عرف بـ"قانون الحلي". وحتى السويد، التي عرفت بأنها أكثر انفتاحاً، تغيرت سياستها، حتى في ظل حكم يسار الوسط، باتت بصمة حزب "ديمقراطيي السويد" واضحة في انتهاج سياسة تضع الآلاف تحت رحمة الترحيل، وتعديلات طاولت مسائل لمّ الشمل وساعات العمل ومنع طالبي اللجوء من الدخول إلى البلاد براً من خلال الجسر الذي يربطها بالدنمارك على مدار السنوات الخمس الماضية.

واقع ليس من اختيارهم
الأمم المتحدة التي أقرّت الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأول من كلّ عام باعتباره "اليوم الدولي للمهاجرين"، ظلت تبني آمالاً على "مسؤولية جماعية" تجاه نحو 272 مليون مهاجر (من ضمنهم نحو 80 مليون مهجّر قسراً)، فرضت عليهم ظروف الفقر واختلال تقاسم الثروات وانتشار الحروب الهجرة والنزوح الداخلي. أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس يكرر كلام سابقيه، ومنهم بان كي مون، عن "حق جميع المهاجرين في التمتع على قدم المساواة مع غيرهم بحماية جميع الحقوق المكفولة لهم"، حاثاً قادة العالم والشعوب على "تفعيل الاتفاق العالمي حول المهاجرين حتى تكون الهجرة في مصلحة الجميع".
حال ملايين المهاجرين/ اللاجئين حول العالم، بحسب دراسات وأبحاث استقصائية ومتخصصة، عن المنظمات الدولية المتخصصة والحقوقية ومنظمة "الهجرة الدولية"، ليس بمستوى خطابات وأمنيات القادة. وبحسب تقرير الأمم المتحدة "الهجرة 2020"، وجدت هجرة اللجوء زيادة كبيرة خلال الأعوام العشرين الماضية. وتفيد منظمة الهجرة الدولية بانضمام 120 مليوناً منذ عام عام 2000 إلى المهاجرين، حتى تجاوز الرقم الكلي 272 مليوناً. ومن بين الزيادات الهائلة تأتي هجرة اللجوء القسرية، فخلال 10 سنوات انضم 26 مليون لاجئ حول العالم لمن سبقهم، والأغلبية الساحقة تعيش في دول الجوار للدول الأصلية التي هجّروا منها، من أميركا اللاتينية وآسيا إلى أفريقيا والعالم العربي، وبين هؤلاء وصلت نسبة الأطفال إلى 14 في المائة.

منذ عام 2014، قدّر عدد طالبي اللجوء في أوروبا بنحو 2.2 مليون شخص. ومن بين أسباب أخرى لهجرة عشرات الملايين، خلال سنوات الألفية الثالثة، وفقاً لتقارير المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، يأتي انتشار الفقر والمتغيرات المناخية، وأسباب أخرى كثيرة. ومع تزايد الحروب والاضطهاد، بالترافق مع انعدام فرص النجاة والبقاء في السنوات العشر الماضية زاد عدد المتجهين من دول الجنوب نحو أوروبا. وبالطبع هناك حركة لجوء وهجرة أخرى حول العالم، فعلى سبيل المثال، اضطر نحو 4 ملايين فنزويلي للجوء إلى دول الجوار اللاتينية، ووصل بعضهم إلى أوروبا أيضاً. وبالرغم من ذلك شكل اللجوء السوري علامة فارقة ودالة على فداحة التهجير تحت وقع الاضطهاد والتدمير الممنهج. فبحسب أرقام المفوضية ومنظمة الهجرة الدولية، ينتشر نحو 5 ملايين سوري لاجئ في دول الجوار: تركيا ولبنان والأردن، عدا عن وصول نحو مليون منهم إلى دول الشمال، سواء في أوروبا أو كندا، وبضعة آلاف وصلوا إلى الولايات المتحدة، كما إلى دول أميركا اللاتينية وأستراليا.

مسارات وأرقام و"أزمة"
عام 2015 وحده وصل نحو 1.2 مليون لاجئ نحو أوروبا، سواء عبر البحر الأبيض المتوسط أو بحر إيجه، ثم عبر مسار البلقان. أطلق الاتحاد الأوروبي على هذا "التدفق الكبير" لقب "أزمة اللاجئين". وهي التي عكست خلافات أوروبية حول تحمل المسؤوليات في توزع استقبال ودمج الآتين الجدد. ففيما اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في أواخر صيف 2015، أنّ بلادها قادرة على استيعاب المهاجرين، كان سياسيو جنوب شرقي القارة ووسطها أكثر تحفظاً، إذ أرخى التجاذب بثقله وآثاره الماثلة بعد 5 سنوات. ففي بودابست، كان رئيس وزراء المجر اليميني القومي المحافظ، فيكتور أوربان، يبني أسواراً حول حدود بلده الجنوبية، ويمنع منذ أواخر أغسطس/ آب من ذلك العام مواصلة اللاجئين طريقهم نحو الشمال: النمسا وألمانيا والسويد.

وقبل أن يُغلق "مسار البلقان"، كما عُرف في وسائل الإعلام، استقبلت ألمانيا ما يربو على مليون طالب لجوء، نصفهم تقريباً من السوريين. وكان نصيب السويد 163 ألفاً، أكثر من 49 ألفاً منهم من السوريين والفلسطينيين السوريين، وجنسيات أخرى كالإيرانيين والعراقيين والأفغان وقلة من دول مغاربية. وشكل وصول مئات آلاف البشر، بفارق أيام قليلة، نتيجة سياسات بودابست التي كدست مئات الآلاف حول محطة قطاراتها المركزية، أرضية تجاذبات وسجالات طاولت معسكري يسار ويمين الوسط، واستغلال أقصى اليمين الشعبوي، وماكينة دعائية روسية، هذه القضية بحق السوريين على وجه الخصوص، تأثيراً على مزاج الناس. فمن حالة تضامن وتعاطف، خصوصاً بعد اختناق العشرات في شاحنة تبريد للتهريب على أحد الطرقات النمساوية بعد مغادرتها المجر (في نهاية أغسطس/ آب 2015)، كانت ألمانيا تشهد تحولات قادها معسكر اليمين المتشدد، تعبيرا عن رفض استقبال الناس طالبي اللجوء في مدنهم، بل تعرض بعضهم مع مخيمات إيوائهم لهجمات، مع إشاعات دعائية وأخبار مضللة روسية عن "اغتصاب طفلة في برلين"، وهو ما استغلته حركة "بيغيدا" وحزب "البديل لأجل ألمانيا" لحشد شارع قومي متشدد ضد سياسات ميركل المنفتحة على استقبال اللاجئين.

الوجه الآخر
فقد الآلاف أرواحهم خلال سنوات الهجرة نحو البرّ الأوروبي، بحسب أرقام المفوضية الأوروبية ومنظمة الهجرة العالمية.
وسجلت إفادات وشهادات هاربين أفارقة في قوارب الموت في البحر الأبيض المتوسط عن تعرضهم لأبشع أنواع الاستغلال على يد مهربين حولوا الآتين عبر الصحراء، أملاً بمكان على قارب تهريب، إلى نوع من التجارة. وفي تلك الأجواء، عدا عن الموت في الصحارى، كان البحر الأبيض المتوسط يبتلع الآلاف منهم مع فقدان آثار كثيرين، منذ عام 2014. وحده عام 2018 سجل غرق وفقدان 3139 إنساناً، عدا عن حالات أخرى في بحر إيجه وعند شواطئ التهريب في تركيا ومصر وتونس وليبيا.
كان اليمين الأوروبي والإيطالي، بزعامة وزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني، يبحث عن طرق منع تدفق المهاجرين عبر المتوسط، باتفاقيات مع دول الضفة الجنوبية ودول أفريقية أخرى. وانتهج سالفيني، وتحالفه اليميني الحاكم، بدعم من اليمين الأوروبي، سياسة تجريم مراكب الإنقاذ لمنظمات مدنية منها منظمة "أطباء بلا حدود" في عرض البحر، مع حملة تحريض إعلامي وسياسي ومجتمعي ضد هؤلاء اللاجئين الذين كانوا يعتبرون إيطاليا ممراً لهم نحو دول أوروبية أخرى. واتهمت روما دول الاتحاد الأوروبي بعدم إظهار سياسة تضامن معها ومع اليونان بسبب اتفاقية دبلن، التي تلزم البلد الأول الذي يصله طالب اللجوء ببحث طلبه والبتّ به على أراضيها، وفشل خطة توزيع حصص اللاجئين بين الدول. وبالرغم من مساعي الاتحاد الأوروبي لانتهاج سياسة تضامن، فإنّ فشلاً ذريعاً لازم تلك المساعي منذ عام 2016، والاتفاق الوحيد الذي صمد، بالرغم من الاضطراب المرافق له حتى اليوم، هو الذي توصل إليه الاتحاد الأوروبي مع تركيا في ربيع 2016. وهدف الاتفاق، من بين أشياء أخرى، إلى إعادة الواصلين إلى الجزر اليونانية نحو تركيا، ومنع الأخيرة عمليات التهريب لقاء دعم مالي سنوي (3 مليارات يورو)، لتحسين ظروف اللاجئين، وضرورة أن يستقبل الاتحاد الأوروبي الحالات المستحقة للحماية.

وبالرغم من الإجراءات المشددة، وإدخال تعديلات على قوانين اللجوء ولمّ الشمل، فقد بقيت أوروبا تواجه مشكلة تحريض اليمين المتشدد على السياسيين، سواء في الاتحاد ببروكسل، أو المحليين في البرلمانات الوطنية. وتحت ضغط التيار الشعبوي، وتحولات سياسات يمين ويسار الوسط، من السويد مروراً بألمانيا والنمسا وإيطاليا، عدا عن حكومات متشددة في شرق أوروبا، دخل الاتحاد في مفاوضات تبنّي "ميثاق هجرة ولجوء جديد" في القارة. وبالرغم من الجمل المنمقة التي اختارها سياسيو الاتحاد الأوروبي خلال 2020، في سياق ميثاق السياسات الجديدة، من قبيل "ميزة الهجرة وتأثيرها الكبير على المجتمع الأوروبي وعلى الاقتصاد والثقافة"، وأنّه "يمكن للهجرة أن تساهم في النمو والابتكار والديناميكية الاجتماعية"، فإنّ التركيز في السياسات الوطنية للدول، بعيداً عن نقاشات عاصمة الاتحاد الأوروبي، بروكسل، كان يمضي في نقاش يركز على "مشاكل مهاجري الأصول غير الغربية" (المقدرين بنحو 21 مليوناً من أصل 446 مليون مواطن في الاتحاد الأوروبي)، وكأنّهم، بالرغم من أنّهم أبناء الجيلين الثاني والثالث، يشكلون معضلة، وسط استغلال تيار شعبوي متصاعد يركز على شعارات "وقف الأسلمة" (بالرغم من أنّ نسبة المسلمين في أقصى الحالات لا تتجاوز في المتوسط 9 في المائة)، و"مؤامرة استبدال البيض الأوروبيين بمهاجرين من الشرق الأوسط" (وهؤلاء جميعهم لا يشكلون نسبة 4.7 في المائة في المتوسط من عموم مواطني النادي الأوروبي، وفقاً لوكالة الإحصاء الأوروبية "يوروستات").
في كلّ الأحوال، فإنّ ميثاق الهجرة الجديد لهذا العام، 2020، والذي سيطبق مع بداية 2021، يعترف بأنّ القارة قصّرت في أزمة اللاجئين، 2015 – 2016، مع التأكيد على أولوية "حماية الحدود الخارجية" وتوفير "إطار جديد للاستجابة السريعة لتخفيف الضغط عن الدول الأعضاء، لمنح الأوروبيين الثقة في أنّ الهجرة تدار بطريقة فعالة وإنسانية تتماشى تماماً مع قيمنا" كما جاء في ديباجة الاتفاق المنشور على موقع المفوضية الأوروبية في سبتمبر/ أيلول الماضي.

أزمة عالمية كبرى
تقدر الأمم المتحدة عدد المهاجرين حول العالم بأكثر من 272 مليوناً، موزعين على مجتمعات معظم القارات. وسجل تقرير "منظمة الهجرة الدولية" عن المهاجرين، 2020، زيادة بأكثر من 120 مليون مهاجر/ لاجئ منذ عام 2000 (من 150 إلى 272 مليوناً في 2020). وأشار التقرير إلى أنّ المهاجرين يشكلون 3.5 في المائة من سكان الأرض، بزيادة 0.7 في المائة عن عام 2000 حين كانت نسبتهم نحو 2.8 في المائة.

وفي الأرقام نفسها، يمكن ملاحظة أنّ حالات التشرد الداخلي تضاعفت بواقع 31.3 مليون إنسان، ويبلغ عدد عديمي الجنسية نحو 4 ملايين شخص حالياً حول العالم. ويبلغ عدد العمال المهاجرين نحو 164 مليوناً، وزادت نسبة تحويلاتهم بالدولار الأميركي من 126 ملياراً قبل عقدين إلى 689 ملياراً في أكتوبر/ تشرين الأول 2019. وتقدر الأرقام الأوروبية الرسمية، ومن بينها "يوروستات" ومفوضية اللاجئين والمفوضية الأوروبية، عدد الحاصلين على حماية (وضع لجوء) لعام 2018 وحده بنحو 333 ألفاً، ربعهم من السوريين (27 في المائة)، ويتلوهم في المرتبتين الثانية والثالثة الأفغان والعراقيون، مع ملاحظة أنّ نسبة الفنزويليين الواصلين إلى أوروبا لطلب اللجوء تزايدت بنحو 40 في المائة. وبحسب أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد كان نصيب ألمانيا في 2018 من اللجوء السوري نحو 78 ألف شخص.
يعرّف الاتحاد الأوروبي اللاجئين باعتبارهم من حصلوا على تصاريح إقامة بحسب "اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين". وتقدم لهم الحماية، الدائمة أو المؤقتة، بسبب "خوف مبرر من التعرض للاضطهاد الشخصي بسبب العرق والدين والمعتقدات السياسية أو العمل في المجتمع المدني". وبالرغم من ذلك، شهد الاتحاد الأوروبي في العام الماضي، 2019، منع دخول أكثر من 735 ألفاً عبر حدوده الخارجية. وخلال الأشهر الستة الأولى من 2020، وفقاً لوكالة حماية الحدود الأوروبية "فرونتيكس"، خاطر أكثر من 23 ألفاً بحياتهم للوصول عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، وفقد المئات أرواحهم. ويشير مسح مؤسسة "يوروباروميتر" إلى أنّ 2.2 مليون إنسان كانوا يقيمون بشكل غير قانوني في الاتحاد الأوروبي عام 2015، وانخفض الرقم إلى نحو 650 ألفاً في العام الماضي، 2019.

ويتعرض هؤلاء الذين رفضت طلبات لجوئهم، أو الذين اختفوا عن أعين سلطات الهجرة خوفاً من ترحيلهم، ويقيمون لسنوات بصفة غير قانونية، لأبشع عمليات الاستغلال في أسواق العمل، وبأجور بالكاد تكفي لسد الرمق. فعلى سبيل المثال، يقدر باحثون من جامعات الدنمارك والسويد عدد من يختفون "تحت الأرض" في الدنمارك بنحو 12 ألفاً، ومثلهم في السويد، حيث يعيش هؤلاء بلا أدنى حقوق، سواء علاجية أو سكنية، ويبقون عرضة لملاحقة شرطة الأجانب لترحيلهم إلى بلادهم الأصلية. وشاع منذ بداية العقد الثاني للألفية الجديدة خطاب سياسي حزبي لا يتردد في رفض اعتبار مواطني "الأصل غير الأوروبي" من المهاجرين واللاجئين "عبئاً" على المجتمعات. ويذهب أقطاب تلك المعسكرات الحزبية إلى مواصلة إشعار الأجيال الجديدة بأنّها مرفوضة بسبب أصلها، وهو ما يتجلى في خطاب شعبويي شمال ووسط وشرق أوروبا. وتلازم تسمية "الأجانب" و"المتحدرين من أصل مهاجر" الأجيال التي ولدت وكبرت في المجتمعات، حيث تشكو نسبة كبيرة من هؤلاء، بحسب أرقام دوائر الشرطة ومعاهد حقوق الإنسان، من التمييز بحقهم بناء على الاسم والأصل.

أبرز بنود ميثاق الهجرة الأوروبي الجديد

بحلول مطلع يناير/ كانون الثاني 2021 سيجري التطبيق العملي لميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد، بزيادة وتعزيز "حراسة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي" من خلال توفير قوات مشتركة براً وبحراً.
وإلى جانب تعزيز الحراسة الأمنية، يتجه الأوروبيون إلى تطبيق سياسة اليمين الإيطالي المتطرف، بزعامة ماتيو سالفيني، في عدم السماح "للقوارب الخاصة بتقديم مساعدة إنقاذ لمن يحاولون دخول أوروبا بطريقة غير مشروعة، مع تسريع عملية الفرز والتعرف على من يحاولون العبور بدون إذن، بمن فيهم الذين يجري إنقاذهم، وترحيلهم فوراً إلى حيث انطلقوا"، بحسب موقع المفوضية الأوروبية.
ويسعى الأوروبيون إلى وقف "الهجرة غير الشرعية" (وهو تعبير لقي انتقادات حقوقية، مثل المركز الدنماركي لحقوق الإنسان بسبب اعتبار حق طلب اللجوء مستحيلاً في حال تطبيق هذه السياسات) من خلال "تعاون بين قوة فرونتيكس (الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل) والشرطة الأوروبية مع الدول الأخرى، لوقف تدفق اللاجئين واستهداف مهربي البشر، وإقامة أنظمة إنذار ومراقبة تستهدف تسريع فرص الشرطة لترحيل القادمين بصفة غير قانونية (أي من دون تأشيرة)".

عملياً فإنّ الميثاق الجديد، الذي يدخل حيز التنفيذ من العام الجديد 2021 وحتى 2025 يخشى الحقوقيون وبعض أحزاب اليسار من أنّه "سيعزز حالة ازدحام غير إنسانية على الحدود الأوروبية، بما يذكر بمخيم موريا اليوناني، وتكدس اللاجئين على حدود الاتحاد الأوروبي في اليونان والمجر وإيطاليا وفي طريق البلقان".
وفي الجزء المتعلق باتفاقية دبلن، يبدو أنّ الأوروبيين اختاروا تجميد العمل بها، تحت عنوان "تضامن مرن" وعلى أساس طوعي. ويتمثل ذلك في طلب الدول التي تقع تحت ضغط طلبات اللجوء، مساعدة الدول الأعضاء التي تبدي رغبة بتحمل مسؤولية دراسة عملية إعادة توطين اللاجئ في وطنه الأصلي خلال فترة معينة، أو استقباله بعد تلك الفترة على أراضيها لتواصل التعاون مع سلطات البلد الأصلي لترحيله، مع التأكيد على أنّه إذا تمت عملية إنقاذ بحري من قوات خفر السواحل فسيكون الهدف إرجاع الأشخاص إلى حيث جاؤوا، على أن يجري في مرحلة لاحقة من اتفاقية الميثاق، التعاون مع دولة ثالثة خارج الاتحاد، لاستقبال المرفوضين أو الذين يجري إنقاذهم، ريثما يبتّ في اللجوء. ويسمى ذلك، بحسب نصوص الميثاق "اتفاقيات شراكة مع دول ثالثة".
مساعي الأوروبيين في تبني سياسة هجرة ولجوء جديدة تبدو واضحة لجهة "تسريع معالجة الحالة على الحدود وإدخالها في قاعدة البيانات، فإما لجوء أو رفض وترحيل سريع". وإذا وجد دارسو طلب اللجوء أنّ الشخص يستحقه فيمكن تحويله للتوطين في دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي، وعلى أساس طوعي.

والأمر الجديد الآخر في سياق التعامل الأوروبي مع الهجرة واللجوء هو "تنسيق الجهود بفعالية لتسريع حصر وترحيل المقيمين غير الشرعيين في أوروبا إلى أوطانهم". ويربط البعض بين قبول الدول لرعاياها والمساعدات المالية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لها، مع احتمالية تشجيع المهاجرين المقيمين بصفة شرعية على العودة إلى بلادهم لقاء "مبلغ إعادة تأسيس الحياة في الوطن الأصلي".
وسيضع الاتحاد الأوروبي قاعدة بيانات محدثة ومستقلة عن الأمم المتحدة وبمبادئ توجيهية، تسمح بتصنيف بعض الدول التي يلجأ منها البعض كدول آمنة.

Original Article

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.