Business is booming.

“مانك” بحسب فينشر: نصٌّ طويل بكلاسيكية باهرة

0

قراءة حوارٍ مع ديفيد فينشر (1962) تُثير حماسةً لمُشاهدة جديده السينمائي، بانتظار بدء عرضه. المجلة الفرنسية "بروميير" تنشر الحوار معه (نوفمبر/ تشرين الثاني 2020)، قبل أيامٍ قليلة من بدء "نتفليكس" عرض "مانك" (2020) على شاشتها (4 ديسمبر/ كانون الأول 2020). حماسة المُشاهدة، المتأتية من قراءة الحوار، تنتظر المُشاهدة التي ستُثير حماسةً أقلّ، رغم جمالية اشتغالٍ بصريّ. ديفيد فينشر يُخرج "مانك" بعد 6 أعوام على آخر فيلمٍ له، Gone Girl، المنجز عام 2014. فترة ينشغل فيها عن السينما لانهماكه في اختبارٍ تلفزيوني: مشاركته في إخراج Mindhunter (أربع حلقات في الموسم الأول، و3 في الثاني)، بعد 4 أعوام على مشاركته في إخراج House Of Cards (الحلقتان الأولى والثانية في الموسم الأول، 2013).

حماسة المُشاهدة، المنتِظرة بدء عرض "مانك"، متأثّرةٌ بحماسة ديفيد فينشر لمشروعٍ يريد تحقيقه منذ أعوامٍ. علاقته السينمائية ـ الشخصية بأورسون ويلز (1915 ـ 1985) و"المواطن كاين" (1941) عائدةٌ إلى مطلع سبعينيات القرن الـ20. والده جاك (كاتب سيناريو "مانك") مولع بويلز وكاين منذ سنين طويلة. ديفيد يشعر بولعٍ، هو أيضاً، بعد مُشاهدة أولى: "إنّه استيعاب حقيقي. صدمة ساحقة. في وقتٍ واحد، أشعرني الفيلم بحداثته وكلاسيكيته، بكثافته ودقّته".

منذ ذلك الحين، تنشأ علاقة انفعالية وحسية وجمالية وتأمّلية بويلز وبمواطِنه، ونقاشٌ طويل بينه وبين جاك يُزيد حماسة الابن لما يُحبّ الأب، والأب صحافيٌّ (رئيس تحرير "لايف ماغازين") يرغب ـ في ستينيات القرن الـ20 وسبعينياته ـ في كتابة سيناريوهات سينمائية.

"مانك" (131 دقيقة) مصنوع بلغة بصرية تعرفها هوليوود في أربعينيات القرن الـ20 وما بعدها: بالأسود والأبيض، وبـ"جينيريك" أول تُكتب فيه أسماء العاملين في الأفلام بأحرفٍ كبيرة، وبموسيقى تستلهم أعمالاً مرتبطة بتلك الذاكرة. تقطيعٌ يُتيح للأسود احتلال الشاشة ثواني قليلة، وتقنية كتابة السيناريو (يرتكز الفيلم على سيرة هرمان جاي. مانكوفيتس، المُكلَّف بكتابة سيناريو "المواطن كاين") مُعتمدة في تقطيع خاصّ بالانتقال إلى مراحل سابقة على لحظة الحدث الدرامي الأساسيّ: ليل داخلي، نهار خارجي، عودة بالذاكرة، قبل أسابيع قليلة، عنوان مكان يشهد حدوث أمر ما، إلخ.

مسائل تقنية وجمالية كهذه تتفوّق، بانفعالها الرومانسي الجميل، على نصٍّ عاديّ، يتضمّن بعض إطالة وثرثرة (كلامية وبصرية) يُمكن الاستغناء عنه بسهولة.

الجانب التوثيقيّ ـ التسجيلي حاضرٌ في لحظات قليلة. التعريف بالفيلم مكتوبٌ في "جينيريك" البداية، الذي يوهم المُشاهدَ بأنّ الحكاية معقودة على أورسون ويلز وعلاقته الوثيقة بـRKO (أقدم شركات الإنتاج السينمائي المستقلّ في هوليوود)، التي تمنحه هامشاً واسعاً جداً من العمل بحرية. تلاعبٌ مُحبَّب، لكنّ المهتمّين يُدركون أنّ "مانك" اختصار لمانكوفيتس (1897 ـ 1953)، وأنّ مانكوفيتس كاتب سيناريو "المواطن كاين"، الذي سيكون أفضل كتاباته، وأنّ التعريف مدخلٌ إلى عالمٍ يصنعه سيناريست فيستفيد منه مخرجٌ، وينال الاثنان "أوسكار" أفضل سيناريو أصلي (26 فبراير/ شباط 1942).

"مانك" لن يكون سيرة حياة أو مقتطفات منها. التركيز على كتابة "المواطن كاين" جوهر الحبكة. التفاصيل الأخرى ضرورية، فالأعوام السابقة على 1940 (تاريخ أحداثِ "مانك") أساسية، لكشفها جوانب من شخصية السيناريست، ومن عالمٍ يتغيّر بعد "الانهيار (الاقتصادي) الكبير" (1929)، والأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الناتجة منه. السياسة والمال والإعلام والثراء، والمصالح الشخصية والعلاقات العامة، ومناخ الحرب العالمية الثانية والعلاقات العائلية والعاطفية، وهوس السلطة، إنْ تكن السلطة سياسية أو اقتصادية أو إنتاجية، وانتخابات كاليفورنيا (1934)، وما تُثيره من سجالٍ بين الشيوعية/ الاشتراكية وأثرياء تلك الحقبة، مسائل تحضر في مَشَاهد متفرّقة، مع مساحةٍ خاصة بويليام راندولف هيرست (1863 ـ 1951، تمثيل تشارلز دانس)، الذي سيُكتَب "كاين" على "صورته ومثاله"، إلى حدّ كبير.

الهوس بالسلطة؟ في تعريفه عن الاستديو الأشهر حينها (MGM، مترو غولدوين ماير)، يقول لويس بيرت ماير (1885 ـ 1957، مؤدّي الدور ببراعة أرليس هاورد): "يعتقد الناس أنّ "أم جي أم" تملك نجوماً أكثر مما يوجد في السماء. لا تُصدِّق هذا. ليس لدينا إلا نجم واحد، "ليو" الأسد. لا تنسى ذلك أبداً. نجوم عديدون نسوا ذلك ولم يعودوا يعملون معنا الآن"؛ مُنهياً كلامه في هذا المقطع الرائع بالقول: "هذا مجال لا ينال فيه المشتري سوى ذكرى. ما اشتراه يبقى مُلكاً لمن باعه. هذا السحر الحقيقي للأفلام. لا تُصدِّق من يُخبرك عكس ذلك".

كمٌّ هائل من الأحداث المتفرّقة تُرافق الخطّ الدرامي الأساسي: إقامة مانكوفيتس (غاري أولدمان) في منزلٍ ريفي بعيداً عن كلّ شيء وكلّ أحد، بعد تعرّضة لحادث سيارة تُكسر فيه قدمه، وبرفقته سيدتان لخدمته. زياراتٌ عدّة لأناس مختلفين، واسترجاع بعض الماضي الذي يُغذّي معرفة السيناريست، المُدمن على الكحول، والمتمتّع بلسانٍ سليط، وغير المتسامح أبداً مع ما يعتبره مظاهر مخادعة في مجتمع مخادع. صداميّ، يُدرك لحظة التراجع والواقعية. ساخر، يعرف ـ وإنْ متأخّراً أحياناً ـ معنى الصمت، وهذا نادر.

في "جينيريك" النهاية، الذي يُعرِّف قليلاً بمصير "مانك"، يُنقل عن مانكوفيتس قولٌ يبوح به لصديقٍ، ذات يوم: "يبدو أنّي صرتُ فأراً في مصيدة صنعتها بنفسي. مصيدة أُصلِحها بانتظام كلّما بدت مُهدّدة بظهور فتحة يمكنني الهروب منها".

الأهمّ يختلف عن ملاحظاتٍ، لن تحول دون مشاهدةٍ تُضاف إلى مُشاهداتٍ سابقة لأفلام ديفيد فينشر. "مانك" مغاير لها، مع أنّ فيه شيئاً منها: تمزّقات في ذات الشخصية الرئيسية بين تناقضات ورغبات وهواجس، وإنْ تكن في "مانك" أخفّ سطوعاً.

Original Article

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.