Business is booming.

تنازل أم تغيير؟

يحتمل فيلم "الباباوان" (The Two Popes) الذي عرض أول مرة في 2019 مقاربته من زوايا عدة، بعضها لا يمت بصلةٍ إلى واقع الكنيسة الكاثوليكية، وما مرّت به من أزمات في العقود الأخيرة، أخطرها فضيحة التحرّش الجنسي، كان من نتيجتها التغييرات التي تطرأ عليها. فهو منذ انتشاره أثار جدلا كثيرا حول الغاية منه، ورافقته تهمة "البروباغندا"، سيما أن فئة واسعة رأت فيه محاولة لـ"أنسنة" الخطايا التي ارتكبت من رأس الكنيسة وباسمها، وتم التستر عليها عقودا طويلة.
لكن بعيداً عن ذلك، يحمل سيناريو الكاتب أنتوني مكارتن في ثناياه حواراً بين الممثلين؛ أنتوني هوبكنز الذي أدّى دور البابا السابق بنديكتوس السادس عشر (اسمه الحقيقي جوزيف راتسينغر) وجوناثان برايس الذي جسّد دور الكاردينال خورخي ماريو بيرغوليو الذي سيتم اختياره لاحقاً ليصبح البابا فرنسيس. يقول الأخير في معرض استعراض التحوّلات التي أجراها على مدى عقود "لقد تغيرت". يرد عليه بنديكتوس قائلاً "لا لقد تنازلت"، فيصرّ بيرغوليو على أنه "تغير، والأمران مختلفان كلياً". مع تحييد البعد الكنسي في هذا الحوار، وما يجسّده من شخصيتين متناقضتين، تتمسك الأولى بالدور المحافظ والثانية بالإصلاح الثوري إن جاز التعبير، يصحّ هذا التساؤل عن الفرق بين التنازل والتغيير، سواء تعلق ذلك بالخيارات الفردية أم السياسية، وهل هما فعلاً أمران منفصلان.
يمكن التوقف عند قصة واقعية لمواطنين من بلد عربي عُرفا بمواقفهما الانتقادية، وتعرّضا بسبب ذلك لمضايقات وتهديدات، وصولاً إلى الإيذاء الجسدي، ووجدا نفسيهما في المنفى، بعيديْن عن عائلتيهما وعاطليْن من العمل، إلى أن عُرض عليهما منصبان رسميان، بموجب مؤهلاتهما، يستحقانهما تمام الاستحقاق. ولكن في الظرف الذي قدّم لهما العرضان، كان قبولهما به يعني حكماً التوقف عن الانتقاد وإبداء المواقف السياسية. ذهب الأول في هذا الخيار، وانخرط، بشكل أو آخر، في النظام. أما الثاني ففضل الرفض، ودفع جرّاء ذلك أثماناً إضافية. فهل يصح الحديث في حالة الأول عن تنازل أم تغيير؟ قد يكون بعضهم أميل إلى المحاججة بوجود تنازل، وربما تسوية بأقلّ الضرر، طالما أن المطلوب منه فقط الصمت، لا الانتقال إلى مرحلة المديح. وبرأي آخرين، فإن ما جرى تغيير قاد إلى هذا الموقف الاستسلامي.
ما يُطلق من تقييمات في العادة يرتبط، في جزء رئيسي منه، بقناعاتنا. أما كيف تتشكل فقضية أخرى. جزء تنمّيه المعرفة، وقسم آخر تبلوره التحدّيات والتجارب التي تتم مواجهتها وما يُكتسب منها من دروس. والواقع بعيداً عن النظريات يحكم في أحيان كثيرة. قدرة البشر على المقاومة والصمود مختلفة بين شخص وآخر. الأمر لا يتعلق بالشق المالي فقط، بل أيضاً المقاومة الفكرية، وهي أصعب بمرّات، لأنها غالباً ما تكون استنزافا وصراعا يوميا.
الانحناء أمام العاصفة أو التحييد عنها بانتظار هدوئها ليس خطأ على الدوام، سواء أكان ذلك على صعيد الخيارات الشخصية أم السياسية. كم من أزمةٍ سياسيةٍ حول العالم ما كانت لتجد طريقها إلى الحل، لولا فعل "التنازل" الذي يأخذ، في مثل هذه الحالة، معنى إبداء المرونة. وعلى عكس الاعتقاد السائد لدى كثر، فإن التنازل لا يفترض أن يحمل معنىً سلبياً دائماً، خصوصاً عندما يقود إلى معادلة "صفر خاسرين".
القدرة على مثل هذا الفعل، عندما تستدعي الظروف، ليست فقط براغماتية بل شجاعة، خصوصاً عندما لا تكون تداعيات القرار منحصرةً بالشخص نفسه، أي عندما يكون مسؤولاً عن مصير آخرين.

Original Article

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.