Business is booming.

مطلوب لقاح لأوبئة أيديولوجية

لا ريب أن البشرية سُرت بتوصل العلماء للقاح يقي من فيروس كوفيد 19 الذي أرهق وأزهق ملايين الأرواح. وتزداد سعادة الإنسانية مع كل جرعةٍ من اللقاح يرتفع معها منسوب الأمل بالقضاء على الوباء. غير أن الجائحة التي كَشفت ضعف الأمم المدجّجة بأسلحة الدمار الشامل وترسانات الرؤوس النووية العابرة للقارات أمام فيروسٍ غير مرئي عرّى هشاشة النظام العالمي الصحي، وترهل البنى الوقائية في الدول المتقدّمة والمتأخرة سواء، أماطت اللثام كذلك عن أوبئة وفيروسات أيديولوجية، تفتك في البنى الأخلاقية للإنسانية، لا تقل شراسةً عن الفيروسات البيولوجية، القديم منها أو المستجد والمتحوّر.
منذ ظهور الرئيس دونالد ترامب على المسرح السياسي، وتوليه قيادة الولايات المتحدة الأميركية، تفشّى وباء الشعبوية الترامبية في أميركا، وطفحت أبشع أعراضه في غزوة الكونغرس. وخلال السنوات الأربع الماضية، اجتاح فيروس الترامبية أوروبا الغربية متحوّراً في هيئة حركاتٍ، مثل "بيغيدا" اليمينية المتطرّفة. وما الشعبوية إلا فيروس مستجدّ من سلالات النازية والفاشية التي اجتاحت العالم مطلع القرن الماضي، وأودت بحيوات الملايين. وإن كنا على أمل بانقشاع قريب لخطر كوفيد 19 وسلالاته، فإن البشرية لا تزال في مواجهة جائحة الشعبوية، ويُخشى أن يزداد فيروس الترامبية العنصرية شراسةً، إذا صحّت الأنباء عن نيات الرئيس المنصرف ترامب تأسيس حزب سياسي، أغلب الظن أنه سيكون يمينياً عنصرياً، سيغير المشهد السياسي في الولايات المتحدة، ويعبر الحدود نحو بلدانٍ أخرى ذات مناعاتٍ ضعيفة.
وباء آخر يتهدّد البشرية منذ عقود، هو وباء دكتاتوريات استبدادية قضت بشراسةٍ على حيوات ملايين البشر، ليس آخرهم آلاف الضحايا ممن قضوا بالبراميل المتفجّرة في سورية، أو في غرف التعذيب في أقبية أنظمة عربية، وأخرى في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية. لا يقل فيروس الدكتاتورية فتكاً عن وباء كورونا أو سارس أو إيبولا، كلها تقتل بالخنق أو الشنق، بل فيروس الدكتاتورية أخطر، والأرجح أن البشرية لن تتخلّص من سلالاته الكثيرة في القريب.
ولا يَقِل وباء العصبيات الطائفية والمذهبية والعرقية خطورةً عن وباء كورونا. وقد تفشّت سلالات هذا الفيروس منذ الحرب العالمية الثانية على هيئة صراعاتٍ أهليةٍ وطائفيةٍ في أكثر من 70 بلداً وإقليماً، وأزهقت أرواح الملايين، ففي بلدٍ فقير اسمه رواندا، قتل خلال سنوات الحرب الأهلية (1990 – 1993) ما يقارب المليون شخص من قبيلتي التوتسي والهوتو. للأسف، فشلت البشرية منذ ما قبل حرب البسوس في العثور على ترياق يقي البشرية شرور فيروسات العصبية، وما زال هذا الفيروس يظهر من وقت إلى آخر، يتنقل عبر الحدود، يروّع النفوس ويفتك بالأرواح.
ويظل وباء الصهيونية العنصرية الأكثر خطورةً بين الأوبئة الأيديولوجية التي تجتاح العالم منذ ما قبل ظهور الفكر الصهيوني أواخر القرن التاسع عشر وما بعده. يرتكب فيروس الصهيونية جرائم تطهير عرقي في فلسطين، خلفت وتخلف مئات آلاف الضحايا. وتسارع تفشّي وباء الفكر الصهيوني مع اندماجه بالمسيحية الإنجيلية اليمينية، وإنتاجهما فيروساتٍ مستجدّة بشيفرات جينية عنصرية غاية في الخطورة. ظهرت في الآونة الأخيرة أعراض فيروس متحوّر من الصهيونية على عربٍ أخذوا في صغرهم لقاحاتٍ ضد الملاريا والتيفوئيد، وربما أخذوا لقاح كوفيد 19، لكن فاتهم، بكل تأكيد، أخذ لقاح مضادّ للصهيونية. وطالما أن الشيء بالشيء يذكر، أذكر أنني زرت قبل سنوات بعيدة قرية في جنوب لبنان، ربما تكون الغازية، ولفتتني عبارة كتبت على جدار أحد المنازل في مدخل القرية، تدعو الناس إلى تلقيح أولادهم ضد الإمبريالية. ربما هو وعيٌّ مبكّرٌ بأن وباء الحركات الأيديولوجية العنصرية لا يقل خطورة عن الأوبئة البيولوجية. وبالتالي، وجب تلقيح الأولاد ضدها حتى لا تفتك بعقولهم الطرية. نجحت البشرية الخيرة في قهر الفيروسات والأمراض البيولوجية المتجدّدة، ولكنها للأسف فشلت حتى اللحظة في العثور على لقاحاتٍ ناجعة لفيروسات أيديولوجية من سلالاتٍ قديمةٍ تتجدّد وتتمدّد.

Original Article

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.