Business is booming.

بايدن ومخاطر التغطية على الاستبداد

لم يخف أغلب الأوروبيين ارتياحهم لانتهاء حقبة دونالد ترامب وبداية عصر جو بايدن. ورغم عمق علاقة الطرفين، فإن الإدارات الأوروبية الديمقراطية استشعرت ضرر سنوات ترامب، وتدخله لتعزيز مواقع اليمين المتطرف في دولها.
ومثلما ندبت القوى الشعبوية والمتعصبة خسارة ترامب، كان المشهد العربي يراهن بعضه على "ديمومة" الرجل، وهو مضطر لتغيير جلده سريعاً، وآخر يمنّي نفسه بمكانته "الاستراتيجية" في مصالح واشنطن. وبين المعسكرين برز، كالعادة، معسكر يخدع نفسه بأوهام عن "ذهب ترامب وبقي الأسد". فأنظمة التسلط ترى في تغير 5 رؤساء في أميركا وفرنسا، مع بقاء حكم "الأسرة" و"العسكر"، مفخرة وصموداً.

في الديمقراطيات الأوروبية، التي تحسب حساباً للشارع في البحث عن المصالح الوطنية، وإن تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، ثمة متغير واضح، عززته عجرفة سنوات ترامب، بالنزوع أكثر نحو استقلالية أوروبية، من دون تخلٍ بالطبع عن تقويم تحالف ضفتي الأطلسي. ولا يعني قدوم بايدن لأوروبا أن التعقيدات انتهت، فبعض صحافتها وسياسييها يدركون أنه "رئيس الأزمات"، في وضع أميركي يعقده الاستقطاب الحاد.

الفارق بين قدرية علاقة بعض الأنظمة العربية بواشنطن، بغض النظر عن اسم الرئيس، وعلاقة الديمقراطيات الأوروبية بها، استناداً إلى دساتير ديمقراطية راسخة ورأي عام وازن، أن الأولى تسعى لتلميع صورة الاستبداد أمام المشرّع الأميركي، وكأنه لا يعلم طبيعة وجوهر الأنظمة القمعية، فيما الثانية تقاد بإدارات منتخبة، تعمل كموظفين عند الشعب، وبالتالي دخولها أي مفاوضات لتحقيق المصالح موزون برأي عام يمارس حريته وديمقراطيته. في المنظومة الأوروبية المشتركة ثمة قواسم مشتركة على مصالح تكتلهم، وسط صراعات مصالح دولية (صينية-أميركية مثلاً). في عالمنا العربي، ومنذ أن سعت الأنظمة التسلطية لوأد الربيع العربي، أصبحت المؤسسات الأميركية، والغربية عموماً، لا تقيم وزناً حتى للمنظومات العربية المشتركة، بما فيها الجامعة العربية، مع تغييب الرأي العام العربي لمصلحة حفنة من ملمعي صورة هذا الحاكم وذاك، ولو باللهث وراء التحالف مع الاحتلال الإسرائيلي.

في كل الأحوال، علت أخيراً أصوات تطالب بأن يكون للعرب تواجد على طاولة تفاوض إدارة بايدن مع طهران، حول الملف النووي. الحقيقة المرة التي تتجرعها الحالة العربية هي أنها لم تعد فقط مجرد هوامش متصارعة فيما بينها على أوهام، بل ذهب بها غلو تسلطها، وعنجهية الاحتماء بترامب، إلى خسارة فادحة لكل ما يمكن أن يسند المصلحة العربية، وأولها تهميش الإنسان العربي، وممارسة أقصى درجات القهر والاستهانة بقيمته. وبالتالي، الإصرار على تهميش العرب لأنفسهم، والاستخفاف بوزنهم الجماعي، واحتماء الأنظمة بساكني البيت الأبيض، لا يبدو أنه في طريقه للتغيير، طالما أن الديمقراطية في العالم العربي مستعاض عنها بتسويق صور القمع والاضطهاد بحجة "مكافحة الإرهاب"، مع كثير من الدونية أمام مؤسسات أميركا. وفي الحالتين فالضرر، مع استمرار واشنطن حماية الاستبداد، في علاقة الشارع العربي بأميركا لن تغيره بضع كلمات معسولة من بيروقراطيي طاقم جو بايدن.

Original Article

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.