Business is booming.

مرة أخرى… الأقصى البوصلة

مرة أخرى، وليست أخيرة، تؤكّد قضية فلسطين المؤكّد، وتعيد ترتيب الخريطة الأخلاقية لنا، نحن العرب، على الأقل قبل أن تعيد ترتيب الأولويات الوجودية كلها على سبيل الحق والدفاع عنه.

مرّة أخرى .. وليست أخيرة، يؤكّد الفلسطينيون أنهم ليسوا بحاجة لنا خارج الدائرة الجغرافية لفلسطين، بقدر ما نحن في كل مكانٍ بحاجة لهم ولقضيتهم، لتكون قضيتنا الأولى دائما. ولنؤكّد، من خلال إيماننا المستمر بها، إنسانيتنا أولا، باعتبارها قضيةً يتمايز فيها الحق عن الباطل، بغض النظر عن معنى الهوية وكل المتعلقات بها.

مرة أخرى .. وليست أخيرة، تقدّم فلسطين نموذجها الخاص الجديد، ممثلا بأهالي حي الشيخ جرّاح في مدينة القدس، لتوثيق تاريخها في الاحتلال بشكل حيٍّ ومباشر، ويقدّم أهالي الحي تضحياتهم باعتبارها من صور التضحيات الفلسطينية المستمرة في سبيل إيمانهم بفلسطين الحرة، وعاصمتها القدس، وقلبها الأقصى.

ومرّة أخرى .. وليست أخيرة، يبقى الأقصى هو البوصلة، منذ بداية احتلاله وحتى هذه الأيام التي يقف فيها أهله صامدين، دفاعا أزليا وأبديا عنه، لأنهم يعرفون قيمته الرمزية في التاريخ وفي الجغرافيا، دينيا وحضاريا وثقافيا وإنسانيا، فهو رمز لقضية لا تموتٍ، حتى وإن أصبح المؤمنون بها قلة يُمسون في طريقٍ موحش!

والآن.. في هذه المعركة الجديدة التي انبثقت من قلب حي الشيخ جرّاح باعتباره نموذجا مصغرا لما جرى ويجري في كل فلسطين، على درب الاحتلال الإسرائيلي، منذ نكبة 1948، تتمايز مرة أخرى المواقف ما بين الشعوب والأنظمة، ويتأكّد الفرق الكبير بينهما في التوجه والإرادة والإعلان عنهما أيضا.

لقد مضى ذلك الزمن العربي الذي كان أجدادنا يتألمون فيه، وهم يسمعون عبارة "ماكو أوامر"، بينما يستمرئ الصهيوني احتلاله، ويندفع فيه توسّعا واغتصابا، ثم مضى الزمان الذي يليه، حيث كان آباؤنا يتعجّبون من مجرّد بيانات الشجب والاستنكار التي كانت الأنظمة والحكومات العربية تكتفي بها، عند كل توسّع جديد في الاحتلال المستمر لفلسطين. وعشنا إلى الزمن الذي أصبحنا فيه شهودا على زمن الصمت المطبق من هذه الأنظمة والحكومات تجاه ما حدث ويحدث، من عدوانٍ وقتلٍ وتشريد وتهجير.. ودماء تسيل. وها هو الزمن الجديد الذي رأينا فيه أبناءنا ينتظرون صدور مثل تلك البيانات بحالاتٍ فردية، ليحتفوا بها دليلا على شجاعة تلك الحكومة أو وطنية ذلك النظام.. في ظل واقعٍ لم يعد غريبا فيه صدور البيانات المؤيدة للمعتدي الصهيوني، بشكل مباشر أو غير مباشر. ولا ندري ما الذي سيكون الحال في زمن أحفادنا، على الرغم من نذره الرسمية القاتمة حولنا.. وعلى تماسّ جغرافي قريب منا! وهي النذر نفسها التي يمكن اعتبارها المتكأ الأولي الذي اتكأ عليه العدوان الصهيوني الأخير على الأقصى، فلم تكن الحكومة الصهيونية لتجرؤ على اتخاذ خطواتها التصعيدية أخيرا بتلك الطمأنينة، لولا أنها ضمنت صمتا عربيا رسميا، وشعبيا مغلوبا على أمره غالبا، عبر عمليات تطبيع مستمرة، بعضها معلن ومجاهر به، وبعضها الأخر خفي، وإن دلت عليه آثار الخطوات اليه بوضوح وضوح الدم البريء!

ولكن الوجه الحسن لكل ما حدث ويحدث يذكّرنا، ويذكّر العالم كله بالمنطق البسيط الذي أثبت صدقيته دائما، باعتبار أن الحق لن يضيع، ما دام وراءه مطالب. والمطالبون بالحق الفلسطيني كثر، وهم يتكاثرون باتساع دائرة الهوية الفلسطينية في كل العالم، فالمعركة مستمرّة، ولن تنتهي حتى وإن ثقلت المهمة على أصحاب الحق .. فالدم البريء الحر الذي سال ويسيل دائما على الأراضي الفلسطينية المحتلة لن يتخلى عن خاصيته وقودا ليس كمثله وقود لمعركة الوجود الحق.. لن ينفد، لأنه لم يخلق من العدم، وفلسطين ليست عدما، وإن أرادها الصهاينة وأصدقاؤهم من العرب كذلك!

Original Article

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.