Business is booming.

هل تدفع تركيا ثمن تغيير وجهتها الأوروبية؟

تمرّ العلاقات التركية الأوروبية بمرحلة غير مسبوقة من الخلافات والتوتر منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، إذ وصل الأمر بقادة الاتحاد الأوروبي أن قرّروا، في ختام قمتهم في العاشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري، فرض عقوباتٍ على تركيا، على خلفية ما اعتبروها تصرّفاتٍ لها "غير قانونية وعدوانية" في البحر الأبيض المتوسط ضد اليونان وجمهورية قبرص اليونانية، مع التلويح بفرض عقوباتٍ أخرى، إن لم تغير أنقرة من تصرفاتها. صحيح أن العقوبات الأوروبية فردية، وستطاول بعض الشخصيات، وربما شركات تركية خاصة، ولم تكن في مستوى ما كانت تطالب به كل من اليونان وفرنسا، إلا أنها تحمل رسالة إلى القادة الأتراك أن أوروبا عازمة على تضييق الخناق عليهم، وتهدّد باتخاذ عقوبات إضافية، إذ فوضت وزير خارجيّة الاتّحاد، جوزيب بوريل، بتقديم تقرير للقمة الأوروبية المقبلة المقرر عقدها في مارس/ آذار 2021 عن تطوّر الوضع، ويمكنه أن يقترح توسيع العقوبات إذا لزم الأمر.
وتأتي العقوبات الأوروبية على تركيا على خلفية عدم تلبيتها شروطا أعلنها الاتحاد الأوروبي، خلال قمة أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث استمرّ التوتر اليوناني التركي مع مواصلة أعمال التنقيب التركية عن مصادر الطاقة في شرقي المتوسط، ومثّل ذلك بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي خرقاً للمنطقة الاقتصادية لقبرص، إضافة إلى أن أنقرة لم تسلك الإطار الدولي المعترف به لإيجاد حل المشكلة القبرصية، وقامت بأعمال تصعيد، وهو ما يعتبره الاتحاد الأوروبي ضد مصلحته.
وبالتزامن مع العقوبات الأوروبية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا، على خلفية شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية إس – 400، واعتبرت تركيا هذا الإجراء الأميركي بمثابة تعدٍ على حقوقها السيادية، وتستهدف الإضرار بصناعاتها الدفاعية، وأن ردّها سيتجسّد في تسريع خطواتها في الصناعات الدفاعية لتبلغ الريادة العالمية، لكن قادة تركيا آثروا الهدوء بانتظار تقييم الأوضاع مع تولي الإدارة الجديدة التي ستشهد تغيرات بنيوية كبيرة.

بالتزامن مع العقوبات الأوروبية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا، على خلفية شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية إس – 400

وتضاف العقوبات الأميركية إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي، كي تؤكّد تزايد الضغوط الغربية وتنوعها ضد تركيا، على الرغم من كونها أحد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتأتي مصحوبةً بتطورات جيوسياسية إقليمية ودولية، ومرتبطة بمكانة تركيا التي بدأت منذ سنوات بتغيير وجهتها الغربية، وتريد أن تحجز لنفسها موقعاً مهما في حيزها الإقليمي، ومؤثراً في عملية صنع القرار الدولي.
وعلى الرغم من ردة الفعل التركية المقلقة، من شأن العقوبات الأوروبية التي لم تتبنّها غالبية الدول الأوروبية، وأرجعتها الخارجية التركية إلى ضغوط التضامن وحق النقض، ومطالبتها الدول الأوروبية بالتصرّف "بشكل مبدئي واستراتيجي ومعقول"، أن تحمل تأكيدات على تضامن دول الاتحاد الأوروبي مع كل من اليونان وجمهورية قبرص اليونانية، وبما يوجه رسالة إلى تركيا بضرورة التوقف عن نشاطاتها في شرق المتوسط. والأهم بالنسبة إلى بعض الدول الأوروبية هو الحدّ من الدور التركي في القضايا التي تطاول الوضع في كل من سورية وليبيا وجنوب القوقاز والبحر الأبيض المتوسط، بما يعني تخلّي تركيا عن طموحات دورها الإقليمي.

الأهم بالنسبة إلى أوروبا هو الحدّ من الدور التركي في القضايا التي تطاول الوضع في كل من سورية وليبيا وجنوب القوقاز والبحر الأبيض المتوسط

ويبدو أن العلاقات التركية الغربية دخلت مرحلة جديدة، تفترق عن التحالف الذي وسمها خلال عقود ماضية، حيث كانت تركيا تمثل الحليف الأكبر لأوروبا وللولايات المتحدة الأميركية عند نقطة تلاقي القارة الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط. ولم تعد تركيا ذلك الحليف المرحب به أوروبياً، عندما عقدت قمة هلسنكي عام 1999، وقرّر الأوروبيون، في ذلك الوقت، فتح الباب أمام مفاوضات انضمامها إلى اتحادهم، مرحبين بترشيحها لعضوية الاتحاد، وقابلتهم تركيا بإجراء إصلاحاتٍ عديدةٍ، بغية تلبية معايير "كوبنهاغن". ثم سرعان ما أوصد الباب الأوروبي أمام تركيا، فاضطرّت إلى تغيير وجهتها الأوروبية نحو آسيا وجوارها الإقليمي، وترتبت على ذلك إعادة نظر القادة الأتراك في توجه بلادهم وتموضعها، بما يعزّز دورها وموقعها الجيوسياسي ووضعها الاستراتيجي في محيطها الحيوي والعالم.
وتمكّنت تركيا من العودة بقوة إلى الساحة الدولية في السنوات القليلة الماضية، وذلك بعد التحول في توجهات سياستها الخارجية، عبر الانخراط الفعال في ملفات إقليمية عديدة، وتحولت إلى قوة مؤثرة في الصراعات الإقليمية، وخصوصا في ليبيا، حيث تمكّنت من تغيير موازين القوى لصالح حكومة فايز السراج المعترف بها من الأمم المتحدة، الأمر الذي أثار حفيظة فرنسا وبعض دول الخليج العربي. كما أنها ساندت أذربيجان ضد أرمينيا في إقليم ناغورنو كاراباخ، فضلا عن دورها المؤثر في الملف السوري.

ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ما تزال تفضّل الحوار مع تركيا، ما اضطرّهم إلى تنسيق مواقفهم مع الولايات المتحدة، بانتظار موقف إدارة جو بايدن الجديدة

ويبدو أن تنامي الدور الإقليمي لتركيا وتوسّع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب القوقاز، ومساعي بحثها عن مصادر الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، كلها عوامل عزّزت من مكانة تركيا، وذلك على حساب تقليص نفوذ كل من فرنسا واليونان وسواها من القوى الدولية. ولذلك يريد بعض قادة الاتحاد الأوروبي الحدّ من الدور التركي، لكنهم لا يملكون القدرة على اتخاذ موقف أوروبي موحّد حيالها، إذ إن كلا من ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ما تزال تفضّل الحوار والتفاهم مع تركيا، الأمر الذي اضطرّهم إلى تنسيق مواقفهم حيال تركيا مع الولايات المتحدة، بانتظار موقف إدارة جو بايدن الجديدة.
ويبدو أن العقوبات الأوروبية والأميركية على تركيا هي بمثابة ثمن تغيير وجهتها الغربية، وذلك بعد أن تعامل الغرب معها من خلال تاريخها العثماني الإمبراطوري، ووفق نهج يقوم على انعدام الثقة وسوء النيات وإنكار واقعها الجديد دولة علمانية حديثة، وذات امتداد جغرافي واسع، يتوزع على قارتي آسيا وأوروبا. ولم تر فيها أوروبا سوى دولة وظيفية، بوصفها مجرد جدار يدافع عن حدودها، بينما سلك الأتراك طريق الأوربة الشاق، واعتبروا بلادهم جزءاً من السوق الأوروبية في تبادلاته التجارية واستثماراته. ومع ذلك، لم تثمر محاولاتهم عن بناء تحالف قوي مع الأوروبيين، باستثناء ألمانيا التي كانت أكثر تفهماً لوضع تركيا، وبنت معها علاقاتٍ متوازنة على مختلف الصعد. لذلك تعوّل تركيا عليها من أجل فتح صفحة جديدة مع الاتحاد الأوروبي، ورأب الصدع معه، لأن "تركيا ما تزال ترى نفسها في أوروبا، وتريد أن تبني مستقبلها معها"، حسب ما قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

Original Article

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.