Business is booming.

أفلام وحيد حامد “النسخة الإسلامية!”

يعرف أي مشاهدٍ لأفلام السيناريست الراحل، وحيد حامد، أن الإسلاميين لم يكونوا همّه الأول، وأن الاستبداد السياسي وتغوّل رأس المال، والتحالف بينهما، كان شاغله الرئيس، كمّا وكيفا. يختلف الأمر لدى قطاع كبير من الإسلاميين، هم أصحاب الصوت الأعلى والأكثر تأثيرا، في فصائلهم، فهم، نظرا إلى سنوات العزلة والعمل تحت الأرض، يَرَوْن غير ما يرى باقي خلق الله، وما دام الرأي يجد من يردّده، ويشاركه، وينحاز إليه، وما داموا بالآلاف، فإن الكثرة تغلب الحقيقة، والخطأ الشائع خير من الصحيح المهجور، ولا يهم إن كان الواقع غير ذلك، فالواقع هو ما يقرّر "السواد" أنه كذلك!
رحل وحيد حامد، رحمه الله، وثار الجدل حول أعماله. وقرّر الإسلاميون الشعبويون على "تويتر" محاسبته وإدانته وإدخاله النار بتهمة محاربة الإسلام، الإسلام نفسه، وليس الحركات الإسلامية وأفكارهم ونمط تدينهم. وفي السياق يمكنك أن تقرأ "معلومات"، وليس قراءات أو رؤى فنية، عن وحيد حامد وأفلامه، لم يسمع بها أحد سواهم، منها مثلا أنه أخطأ في تصوير صورة الإسلامي في فيلم "الإرهابي"، وأنه قدّمه في صورة نمطية، وغير صحيحة، ومنفرة، وكاذبة، ومتربّصة، وأمنية. وعلى الرغم من كونه تقييما مبالغا فيه للفيلم، إلا أن المشكل ليس في صورة الإسلامي الجهادي هنا، المشكل أن فيلم "الإرهابي" الذي تدور حوله أغلب إدانات الإسلاميين لوحيد حامد ليس من تأليف وحيد حامد أصلا!
لا يحتاج الأمر إلى الالتفات لاسم المؤلف أو المخرج أو حتى للفيلم موقع التقييم، يكفي أن يهتف واحد من "نخب" تويتر أو فيسبوك: "وحيد حامد عدو الإسلام"، حتى تندفع الجموع الغفيرة باتجاه التفسيق والتبديع والتكفير، ولا يستطيع أحد إيقافها. ومع ارتفاع الأصوات وكثرتها، تصبح الحقيقة غريبة. وكما استطاع إسلاميون موتورون أن يستخرجوا من نصوص الرحمة والعدالة أحكاما بالقتل، على الهوية، والكراهية، على الاختلاف الديني أو المذهبي، وتجاوزوا بذلك النصوص وتفسيراتها، وما دار حولها من علوم وتراث، وادّعوا، كذبا، ووجدوا من يصدقونهم، بأنهم الممثل الرسمي لأربعة عشر قرنا، وأن الرحمة ميوعة، والعدالة دياثة عقدية، والتسامح هزيمة وانبطاح، فإنهم يستطيعون فعل الشيء نفسه مع الفنون والآداب، وهي أهون، في خطورة تشويهها، من تشويه الدين نفسه. يصبح نجيب محفوظ كافرا، وأسامة أنور عكاشة كافرا، ووحيد حامد كافرا، وأي ناقد كافرا، وأي ناجح كافرا، وأي منافس كافرا، وأي مختلف كافرا، ولو أخطأه التكفير فلن يخطئه التشويه والاغتيال المعنوي الذي يصل به في وجدان المتابعين إلى الكفر، ولو لم يصرحوا به.
الأخطر من ذلك قدرة الكثرة على جرّ القلة الفاهمة أحيانًا، وإقناعهم أو خداعهم أو إجبارهم بالتخويف والمزايدة على تبنّي طرحهم، والمشاركة معهم، خوفا أو طمعا أو تقية، في تسميم المجال العام، فتجد من الباحثين المرموقين من ينجرّ إلى هذا السجال، ويختبئ خلف لغة أكاديمية رصينة، ليردّد الهراء نفسه، فيما يسكت آخرون، يفهمون ويكتمون، بدلا من أن يمارسوا دورا توعويا، مع آلافٍ من الشباب التائه الذي لا يجد من يتبعه، ويضطر لتسليم دماغه لهولاء الأنطاع، وهو ما يعني انعدام أي فرصةٍ حقيقيةٍ في التغيير والاتجاه دوما صوب الأسوأ.
في سياق الجدل حول موقف وحيد حامد من الإسلاميين، ومبالغات الإسلاميين في تضخيم هذا الموقف وتقييمه، أعد الزميل حسام الهندي "إنفوغرافا" عن خريطة انحيازات وحيد حامد في أعماله الفنية. تناول حامد الإسلاميين بشكل مباشر في ثلاثة أعمال، "دم الغزال" "والجماعة" بجزءيه. فيما تناول النظام الحاكم في مصر في عشرة أعمال، وتناول تحالف السلطة ورأس المال في ستة أعمال، وجمع بين انتقاد السلطة والإسلاميين ورأس المال في أربعة أعمال. مشروع وحيد حامد 41 فيلما وثمانية مسلسلات، ما يعني أن نسبة حضور الإسلاميين في مجمل أعماله لا تتعدى 17%، هذا هو الرجل الذي كرّس حياته وقلمه لمهاجمة الإسلاميين، أو الإسلام وأهله، كما يتخيلون، فهل شاهدوه حقا؟

Original Article

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.